حسن الأمين

146

مستدركات أعيان الشيعة

رياضة فقط ، وتتحرى منها منافع الرياضة ولها فصول . فان من هذه الرياضة ما هو قليل ، ومنها ما هو كثير ، ومن هذه الرياضة ما هو شديد ، ومنها ما هو ضعيف ، ومنها ما هو سريع ، ومنها ما هو بطيء ، منها ما هو حثيث أي مركب من الشدة والسرعة ، ومنها ما هو متراخ ، وبين كل طرفين معتدل موجود « . أنواع الرياضة ينبه ابن سينا في مدخل « تدبير الأطفال » إلى ضرورة تربية أخلاق الطفل في جو من الفرح والابتهاج والثقة بالنفس ، بعيدا عن الغضب والغم والخوف . في هذا الموقف نجد أنه يوافق أفلاطون الذي يركز على التربية التأسيسية للطفل ( بروبيديا propidia ) . وهو كان ينصح أن تحتضن المربية الطفل وتغني له بحنان لكي ينام مثلا ، لأنه يجب أن يبقى في مزاج هادئ ، ومن الضرر أن تبدأ نفس الطفل بالتبرم والغضب منذ الصغر . لذا ، يجب إحاطته بجو من الفرح والسعادة ، ( القوانين ، 790 ) . ويوضح ابن سينا بان الرياضة تحتاج إلى التنفس الكبير والدائم وأن هذا التنفس يفيد في علاج بعض الأمراض . ويذكر أن الاعتدال في كمية الغذاء وأنواعه الملائمة ضروري . وهو يقسم النشاط البدني إلى نوعين : رياضة طبيعية تنتج عن الأعمال التي يقوم بها الإنسان أثناء حركته اليومية ، ورياضة متخصصة يقصد بها التمارين والألعاب ، التي منها ما هو شديد ، أو ضعيف ، سريع أو بطيء ، أو معتدل . ثم يتعمق ابن سينا في أنواع الألعاب التي عرفها في زمانه ، في القرن الحادي عشر . فيذكر المصارعة ويسميها « المباطشة » أحيانا ، والملاكمة ويسميها « الملاكزة » والمشي السريع والركض والوثب الطويل ويسميه « الطفر » والرمي بالقوس والتدافع والترافس ويسميه « الزفن » والقفز إلى الشيء للتعلق به والمثاقفة بالسيف والرمح وركوب الخيل والجمال والعجاجيل والعماريات و « الخفق » باليدين ، وهو أن يقف الإنسان على أطراف قدميه ويمد يديه قدما وخلفا ويحركهما بسرعة « . ويذكر من الرياضات القوية الميدانية أن يشد الإنسان عدوه ( أي خصمه ) في الميدان إلى غاية ، ثم ينكص راجعا مقهقرا » . ومن الألعاب أيضا يذكر مجاهدة الظل ، أي ملاحقة ظل الشخص ، و « الزج » أي [ حبسس ] حبس الشخص ، واللعب بالكرة الكبيرة والصغيرة ، واللعب بالصولجان ، الذي هو شبيه « الغولف » والطبطاب شبيه « البايسبول » ، واشالة الحجر أي رفع الثقل . كما يذكر أنواعا من الرياضة الترفيهية المهدئة ، مثل التأرجح في الأرجوحات ، والنزهة في البحر في الزوارق والسماريات وهي نوع من المراكب . ثم يدخل ابن سينا في تفاصيل المصارعة ، ويقول : « المباطشة أنواع ، فمن ذلك أن يشبك كل واحد من الرجلين يده على وسط صاحبه ويلزمه ويتكفل كل واحد منهما أن يتخلص من صاحبه وهو يمسكه . وأيضا أن يلتوي بيديه على صاحبه . يدخل اليمين إلى يمين صاحبه واليسار إلى يساره ووجهه اليه ثم يشيله ( يحمله ) ويقلبه ، ولا سيما هو ينحني تارة وينبط أخرى . ومن ذلك المدافعة بالصدرين ، ومن ذلك ملازمة كل واحد منهما عنق صاحبه يجذبها لي أسفل ، ومن ذلك ملاواة الرجلين ، والشغزبية ( حركة لقط رجل المصارع ) وفحج ( فتح ) رجلي صاحبه برجليه ، وما يشبه هذا من الهيئات ( المسكات ) التي يستعملها المصارعون « . هذا النوع من المصارعة هو بلا شك المصارعة الحرة التي يسمح فيها بمهاجمة كافة أقسام الجسم . ثم يتطرق فيلسوفنا الرياضي إلى بعض الألعاب والتمارين في الركض والوثب ، فيقول : « ومن الرياضات السريعة ، مبادلة رفيقين مكانيهما بالسرعة ، ومواترة طفرات ( تتابع وثبات ) إلى الخلف يتخللها طفرات ( وثبات ) إلى قدام بنظام وغير نظام . ومن ذلك رياضة المسلتين ، وهو أن يقف إنسان موقفا ثم يغرز عن جانبيه مسلتين في الأرض بينهما باع ( مسافة ) ، فيقبل عليهما ناقلا المتيامنة منهما ( التي إلى اليمين ) إلى المغرز الأيسر ، والمتياسرة ( التي إلى اليسار ) إلى المغرز الأيمن ، ويتحرى أن يكون ذلك أعجل ما يمكن » . شروط ممارسة الرياضة يقول ابن سينا إن لكل عضو في الجسم ما يخصه من الرياضة ، ويذكر مثلا على ذلك رياضة لتمرين الصوت والبصر ، والسعة الهوائية للصدر . وهو ينبه إلى أن يرتاض الشخص وجسمه دافئ وحار نسبيا ، وهذا طبعا لكي لا يصاب بالتمزق . ويقول إنه وجد بان البدن يجب أن تفرغ منه الفضلات من الأمعاء ، والبول من المثانة ، قبل المباشرة بالرياضة . وكذلك يجب أن تكون « الكيموسات » ، ومفردها « كيموس » ( Kimos ) باليونانية ، أي ما يتركه الغذاء في الجسم ، قد أنهى دوره وانهضم الطعام . ولكن لا يجوز ممارسة الرياضة والمعدة خالية تماما . ويقول : وأما الصدر وأعضاء التنفس فتارة يراض بالصوت الثقيل العظيم ، وتارة بإلحاد ومخلوط بينهما . . . والصدر يراض بالنفخ مع حصر النفس . . . وما كان من الرياضيات اللينة ، مثل الترجيح ( التأرجح ) فهو موافق لمن أضعفته الحميات ( ارتفاع الحرارة ) وأعجزته عن الحركة . . . وأما ركوب العجل والوجه إلى خلف فينفع ذلك من ضعف البصر وظلمته نفعا شديدا . وأما ركوب الزواريق ( الزوارق ) والسفن ، فينفع من الجذام ( مرض تأكل أعضاء الجسم . ولعله السرطان ) ، والسكتة ، وبرد [ المعد ] المعدة ونفختها ، وذلك إذا كان بقرب الشطوط . . . وأما أعضاء الغذاء ( المعدة والجهاز الهضمي ) فرياضتها تابعة لرياضة سائر البدن . والبصر يراض بتأمل الأشياء الدقيقة والتدرج أحيانا في النظر إلى المشرفات برفق . والسمع يراض بتسمع